أعلنت وحدة تنسيق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق إغلاق جميع المعابر المؤدية إلى قطاع غزة، على خلفية تجدد التصعيد بين إسرائيل وإيران، في خطوة أوقفت دخول المساعدات الإنسانية والسلع الأساسية إلى القطاع، وفتحت الباب أمام موجة جديدة من التحذيرات بشأن الوضع الإنساني المتدهور.
وبحسب ما أعلنته الوحدة التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية، فإن إغلاق المعابر، ومن بينها كرم أبو سالم ورفح، جاء “حتى إشعار آخر”، ضمن إجراءات أمنية اتخذت بعد إطلاق صواريخ إيرانية باتجاه إسرائيل.
ويترتب على القرار وقف دخول المساعدات الإنسانية والسلع التجارية والوقود إلى القطاع، في وقت تعتمد فيه غالبية سكان غزة على الإمدادات القادمة من الخارج لتأمين الغذاء والدواء والمستلزمات الأساسية.
ويأتي الإغلاق بعد أكثر من عامين ونصف من الحرب والأزمات المتلاحقة التي أنهكت سكان القطاع، ودفعت معظم العائلات إلى الاعتماد على المساعدات الإنسانية في ظل انهيار واسع في الخدمات الأساسية، وتراجع قدرة الأسواق المحلية على توفير احتياجات السكان.
وقالت السلطات في غزة إن إغلاق المعابر سيؤدي إلى تفاقم الوضع الإنساني، خصوصا في ظل النقص الحاد في الغذاء والدواء والوقود، والضغط المتواصل على المستشفيات ومراكز الإيواء والمخيمات المؤقتة.
وفي المقابل، قالت السلطات الإسرائيلية إن إغلاق المعابر لن يؤثر في الوضع الإنساني داخل غزة، معتبرة أن كميات الغذاء التي دخلت القطاع منذ بدء وقف إطلاق النار تتجاوز احتياجات السكان وفق المنهجيات الأممية.
غير أن منظمات أممية وإنسانية حذرت من أن استمرار إغلاق المعابر يهدد بتعطيل شريان الإمداد الأساسي إلى غزة. وقالت الأمم المتحدة إن سكان القطاع يعتمدون على تدفق مستمر ومنتظم للمساعدات والسلع التجارية من الخارج، وإن جهود الإغاثة لا يمكن أن تستمر إذا بقيت المعابر مغلقة.
وتخشى منظمات إغاثية من أن يؤدي استمرار الإغلاق إلى تدهور إضافي في الغذاء والمياه والدواء ومستلزمات الإيواء، خصوصا مع محدودية المخزون داخل القطاع وصعوبة تعويض أي توقف طويل في دخول الشاحنات.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع جمود في المسار التفاوضي بشأن تثبيت وقف إطلاق النار والانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارا، تشمل إدخال المساعدات بصورة منتظمة، وتوسيع ترتيبات الإغاثة، وبدء البحث في إعادة الإعمار وإدارة القطاع.
وتحمّل أطراف إسرائيلية حركة حماس مسؤولية تعثر المفاوضات، بسبب ما تعتبره رفضا للدخول في ترتيبات واضحة بشأن مستقبل الحكم والسلاح في غزة. وتقول هذه الأطراف إن استمرار غياب التفاهمات الأمنية يمنع الانتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار ونشر ترتيبات مدنية جديدة داخل القطاع.
في المقابل، تقول حماس إن الأولوية يجب أن تكون لإلزام إسرائيل بتنفيذ التزامات المرحلة الأولى، وفي مقدمتها وقف العمليات العسكرية، والانسحاب من المناطق المتفق عليها، وإدخال المساعدات دون قيود.
وتقول مصادر دبلوماسية إن حالة من الإحباط بدأت تتزايد لدى بعض الوسطاء، مع شعور بأن المفاوضات تدور حول النقاط نفسها من دون جدول زمني واضح أو التزام عملي بتقديم تنازلات حقيقية.
وبحسب مصادر قريبة من المباحثات، يرى بعض الوسطاء أن حركة حماس تستخدم المفاوضات لإطالة أمد الوضع القائم، من دون إظهار مرونة كافية في الملفات التي يربط بها المجتمع الدولي إطلاق مسار الإعمار والإدارة الجديدة في القطاع.
ونُقل عن مصدر مطلع على تفاصيل الاتصالات قوله إن “المطلوب هو التزام حقيقي من جميع الأطراف، لا إدارة الوقت عبر جولات تفاوضية مفتوحة”، في إشارة إلى مخاوف من أن تتحول المحادثات إلى وسيلة لتأجيل الحسم بدل الوصول إلى اتفاق.
وتتركز العقدة الأساسية حول ملف نزع السلاح، إذ تصر إسرائيل والجهات الداعمة لخطة “مجلس السلام” على أن أي انتقال إلى مرحلة إعادة الإعمار والإدارة الجديدة في غزة يجب أن يمر عبر ترتيبات أمنية واضحة تمنع بقاء السلاح خارج إطار سلطة فلسطينية مدنية.
أما حماس، فتعتبر أن بحث مستقبل السلاح قبل وقف الهجمات الإسرائيلية وضمان تدفق المساعدات والانسحاب من القطاع يمثل قلبا لترتيب الاتفاق، ومحاولة لانتزاع تنازلات سياسية وأمنية قبل تنفيذ الالتزامات المقابلة.
ويزيد إغلاق المعابر من تعقيد هذا المشهد، إذ يربط حياة السكان اليومية بتطورات عسكرية خارج غزة وبمسار تفاوضي لم ينجح حتى الآن في إنتاج ترتيبات ثابتة تضمن استمرار تدفق المساعدات.
وبحسب المحلل السياسي الفلسطيني حسن سوالمة، فإن إغلاق المعابر في هذا التوقيت يعكس هشاشة الوضع الإنساني في غزة، حيث يمكن لأي تصعيد إقليمي أو تعثر تفاوضي أن ينعكس مباشرة على حياة السكان.
وأضاف سوالمة أن استمرار الجمود السياسي يبقي ملف المساعدات والمعابر مرتبطا بالقرار الأمني، في وقت يحتاج فيه القطاع إلى ترتيبات ثابتة تضمن تدفق الإمدادات وتخفيف الأزمة الإنسانية بعيدا عن الحسابات العسكرية.
وتحذر منظمات إغاثية من أن استمرار إغلاق المعابر قد يدفع القطاع إلى مرحلة أكثر خطورة، خصوصا إذا طال أمد القرار أو استمر ربط دخول المساعدات بالتطورات العسكرية في المنطقة.
ويجد سكان غزة أنفسهم اليوم أمام أزمة مركبة، تجمع بين نقص الإمدادات الأساسية وغياب أفق سياسي واضح، بينما تبقى المعابر المغلقة مؤشرا على هشاشة الهدنة واستمرار ارتباط الوضع الإنساني بحسابات الحرب.








